محمد بن زكريا الرازي

12

الحاوي في الطب

ليسيء من يرى ذلك الكتاب أو سمع به الظن وإلّا فالرازي أجلّ من أن يحاول هذا الأمر » « 1 » . وبالإضافة إلى هذا فلا يصح أن ننسى ما سجله التاريخ للرازي من بعض الكتب التي تثبت المعاد وأن للإنسان خالقا حكيما ، وغيرهما . ومما يدعونا إلى الاعتقاد بأن الرازي لم ينكر النبوة أنه لم ينكر الشرع . فهو يبشّر هؤلاء الذين عملوا الخيرات بجنات النعيم ، مثلما حدّث الشرع بذلك . ولذا لا يرى داعيا لخوفهم من الموت : « يجب ألّا يخاف من الموت الإنسان الخيّر الفاضل المكمّل لأداء ما فرضت عليه الشريعة المحقة ، لأنها قد وعدته الفوز والراحة والوصول إلى النعيم الدائم » « 2 » . وهو أيضا لا ينكر الأديان ولا سيما في جانبها الأخلاقي ، حيث يقول : « ذم الهوى وردعه واجب في كل رأي وعند كل عاقل وفي كل دين » « 3 » والرازي يحذّر الإنسان من السكر لأنه يقعد المرء عن إدراك جل المطالب الدينية وفيه انحطاط لبني الإنسان . وإن من يهتم بالجانب الروحي في الإنسان هكذا لا يمكن أن يكون ملحدا . وكيف يسوغ لعاقل أن يقول أن الرازي يؤمن بالشرع وينكر النبوة والأنبياء ؟ فمن الذي أتى بالشرع من عند اللّه وحيا إلا الرسل والأنبياء . وكيف يكون الرازي منكرا للنبوة ، مع أنه يقيس على أحكام الدين في مسألتي الطهارة والنجاسة ؟ فهو يرى أن ما فات الحواس أن تدرك منه نجاسة يسمى طاهرا ، وما فاتها أن تدرك منه قذرا يسمى نظيفا : « وذلك أن الدين قد أطلق الصلاة في الثوب الواحد ، الذي لامسته أرجل الذباب الواقعة على الدم والعذرة والتطهّر بالماء الجاري ، ولو علمنا أنه مما يبال فيه ، والراكد في البركة العظيمة لو أن فيه قطرة من دم أو خمرة » . وقد وردت للرازي بعض عبارات تفيد احترامه للنبوة من الصلاة والسّلام على الرسول عليه السّلام ، حيث يقول : « صلى اللّه على خير خلقه محمد النبي وآله » ومثل : « صلى اللّه سيدنا وحبيبنا وشفعينا يوم القيامة ، محمد صلى اللّه عليه وسلم تسليما كثيرا أبدا » . ومن البعيد أن يقال إن الرازي ينكر النبوة وهو يذود عن أخلاق الأنبياء ويعنف من يقول أن العشق منقبة من مناقب الأنبياء ، وأنه شيء آثروه واستحسنوه وهؤلاء يريدون تحسين العشق بنسبته إلى الأنبياء . وأيضا فإن البعض يذهب إلى أن ما نسب إلى الرازي اتهم به ظلما وهو بريء منه ، وأن من أشاع هذه الاتهامات هم الإسماعيلية بسبب غمزه من مسألة الإمامة ، فقد ذكر أن الرازي حمل على الإسماعيلية في كتابه « الردّ في الإمامة على الكيال » والكيال إسماعيلي باطني ، وكان قد ادعى أنه « القائم » وغلا غلوا كبيرا جعل الشيعة المعتدلة تتبرأ منه .

--> ( 1 ) عيون الأنباء 226 ، ط بيروت 1965 . ( 2 ) الطب الروحاني 95 - 96 . ( 3 ) نفس المصدر 31 .